ابن عرفة

213

تفسير ابن عرفة

وبسطهم ألسنتهم بالسوء ، والشيء في نفسه ليس كموقع غيره ، فإن قلت : قد تقرر في علم المنطق أن الشرطية المتصلة تتحد بعد تاليها بالسؤال ، بأن قلت : ذلك باعتبار الأمثل ، وأما هنا فالمعتبر المجموع الثاني أن المتأخر استصحاب عداوتهم أو شدتها وبسط الأيدي في بعض الناس أشد من بسط الألسن ، وفي بعضهم على العكس . قوله تعالى : وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ . إن كان استئنافا فظاهره ، وإن كان معطوفا فكيف جاء ماضيا والأول مستقبل ، والجواب : أنه ماض لفظا ومعنى ، وقد ذكره لكن إنما يصح حيث يكون فعل الشرط لفظا ومعنى ، وأجاب الزمخشري : بأن تلك المودة ثابتة قبل . قوله تعالى : أَرْحامُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ . إن قلت : لم قدم الأرحام وهي أعم ، وقد تقرر أن نفي الأعم أحسن من نفي الأخص ، فهلا اكتفى بذكر الأرحام عن ذكر الأولاد ؟ لأن نفي الأعم يستلزم نفي الأخص ، فالجواب : أنه ذكر الأولاد خشية احتمال صورة التخصيص ، لأنه قد يخصص ذلك العام بالأولاد ، فإن قلت : هلا ذكرت الأولاد قبل الأرحام ؟ فيكون العطف تأسيسا ، وأما هنا فنفي الأعم أحسن من نفي الأخص ، قلت : قد تقرر في المنطق في [ . . . ] أنه من باب استلزام الأعم أمر لعدم استلزام الأخص له ، ورد الحديث : " يموت ابن آدم وينقطع عمله إلا من ثلاث صدقة جارية ، أو ولد صالح يدعوا له ، أو علم ينتفع به بعده " ، فإن كان لن ينفعكم جواب لو ، فظاهر لأنهم إذا كفروا لا ينفعهم شيء من ذلك ، وإن كان استئنافا فيكون المراد نفي المنفعة عن الرحم ، بما هو رحم وعن الولد بما هو ولد ، ومنفعة الولد الصالح لا لمجرد كونه ولدا ، بل بوصف الإيمان الخاص . قوله تعالى : يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ . قال أبو حيان : لا يصح أن يكون الظرف مقاما لأنه منصوب ، ونقل في سورة الأنعام في قوله تعالى : لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ [ سورة الأنعام : 94 ] ، عن الأخفش : أنه أجاز إقامته ، وعلى أنه مقام هنا يرفع لإضافته إلى المبنى ، ونقل السهيلي صحة إقامته ، وإن كان غيره منصرف . قوله تعالى : فِي إِبْراهِيمَ . خصه بالذكر إما لأنه أول ما ابتدأ هذه المقالة ، وأما لأن جميع الملل آمنوا ووافقوا عليه ، ابن عطية : اختلفوا في الذين معه ، فقيل : أراد من آمن به من الناس ، وقال